ذاتك الحقيقية

إن كل إنسان يأتي إلي الدنيا لا يمتلك أي صورة أو معني عن نفسه، وفي خلال مراحل التنشئة يكتسب كافة المعاني والافكار والقناعات التي تتحدد بها طبيعة هويته بطبيعة تعامل الأبوان مع الطفل وتحديداً في سنوات عمره الأولي. ربما تتسائل الآن هل المصير للفرد مرتبط بمستوي الصحة النفسية للوالدين، الإجابة نعم ولا، نعم إذا قمت بالاستسلام لتلك الهوية المكتسبة وآمنت بها وتصرفت علي أساسها، أما بالنسبة للإجابة لآ فهي الأصح لإنسان يمتلك حرية الإرادة والاختيار، لأنك أنت من تحدد هويتك.

ما يحدث عند التعرض لتنشئة سلبية أو لتجارب مؤلمة يستحق الملاحظة، حيث تهتز الصورة الذاتية للفرد عن نفسه وتبدأ الثقة بالتسرب كحبيبات الرمل بنسب قليلة غير ملحوظة إلي أن تتلاشى، فيبدأ باتخاذ قرارات واختيارات بضعف وعدم استحقاق مما يؤدي إلي جلب واقع المعاناة وضياع الفرص واتساع رقعة المشاعر السلبية الداخلية والصراع مع المحيط الخارجي.

صورتك الذاتية أمر خطير ويستحق الاهتمام بجدارة حيث أنت من تحددها، وهي من تحدد من ستكون ! الأمر يتوقف عن طبيعة الصورة الذاتية ومدي إيمانك بها، ستصبح ما تؤمن به. والايمان بصورة ذاتية سلبية هو إيمان كاذب ومخادع تم اكتسابه بآلية دونما أية ملاحظة أو وعي.

عليك أن تتخلص من اللص بداخلك الذى يسلب منك هويتك الحقيقية، ويجعل ماضيك هو المسيطر علي واقعك ومستقبلك. ماذا لو طلبتك منك الآن أن تعيد كتابة فصول حياتك مرة أخري كما تريد وباختيار حر كامل وليس كما تحتاج. ما الذى كنت تود فعله، وكيف ستعيش ؟ تري هل ستعمل علي تغيير الأشياء إذا أتيحت لك فرصة أخرى ؟ إذا كانت إجابتك بنعم فأنت علي أعتاب فصل جديد كامل حر من فصول حياتك.

هويتك الحقيقية

إن السؤال الجوهري في هذا الأمر هو “من أنت” ؟ قد تجيب باسمك وقد تجيب بعملك وقد تجيب بصفة أو طموح لديك. لكن هل هذا هو “أنت”. إن ما تفعله أو ما تفكر فيه أو ما تشعر به هو جزء من مجموعة أجزاء عديدة. ذلك المجموع أو أنت الحقيقي. أنت أكبر بكثير من مجرد الفعل والاسم والشعور والتحدي الحالى. وآسفة أقول لك أنك تعمل ضد واقعك حينما تتحدث سلبياً بصيغة الـ “أنا” .. لأن العقل يعمل علي التماهي مع هذه الكلمة، والتماهي هنا يعني التماثل، بمعني أن عقلك سيحقق لك كل ما تربطه بكلمة “أنا” لأنك تبلغه برسالة مباشرة وواضحه بأن هذا واقعي وهذا ما أريده وهذا ما سأحصل عليه.

إن الإدراك والسلوك الذى صنع لك واقع المعاناة، لن يكون هو نفس  الإدراك والسلوك الصانع للإزدهار، فعقلية إيجاد الحلول هي تختلف تماماً عن عقلية خلق المشكلات. عقلية خلق المشكلات هي عقلية اعتمادية تتذمر دائما وتعيش في دور الضحية وتنتظر أن تحدث لها المعجزة الكبرى لتحقق أهدافها، وخلال انتظارها تظل في حالة المعاناة والصراع والشكوي. أما عقلية إيجاد الحلول هي عقلية تمارس الرقابة والضبط والتحكم علي كافة أمور حياتها، تعرف جيدا ماذا تريد وتتعلم كيفية تحقيقه وتسعي قانعة بامكانياتها وقدراتها الدخلية.

إذا لماذا لا يستطيع معظم الناس صناعة واقعهم الذى يريدون طالما أن الأمر يمكن تطبيقه ومتاح للجميع؟

إن التصرف بعقلية الحل وصناعة الازدهار تحتاج أولاً للتخلي عن عادة الامتناع السلبي وهي التخلص من قول لا أستطيع و الاستسلام والرضوخ للوضع الحالى ومحاولة التعايش والتكيف مع المعاناة مما يجلب المزيد من المعاناة. ولكي تتخلص من الامتناع السلبي عليك التخلص من الرضى عن الذات والرضا عن واقع المعاناه ورفع استحقاقك لواقع أفضل، مزدهر، ووافر بما تريد. كما يجب عليك التخلص من الكوابح أو الفرامل التي توقف مسيرتك نحو الازدهار، ويمكنك التخلص منها بالبدء في تحمل المسئولية.  تحملك لمسئولية حياتك هو الفارق بين النضوج واللانضوج النفسي.

تحمل المسئولية يعني مسئوليتك الكاملة عن نفسك وعما تفعل وعما تعاني منه، ففي واقع المعاناة انت مسئول عن المشاعر السلبية مثل القلق والغضب والخوف والحسد والشعور بالاستياء والذنب …إلخ. وأيضاً مسئول عن تحقيق نقلة في عالمك الداخلي للازدهار والوفرة والرخاء والسعادة والسلام.

الصوت الداخلي

هذه المسئولية وهذه النقلة تتحقق بتغيير الصوت الداخلي الذى يدور بداخل رأسك، عمن أنت وما الذى تعيشه وما الذى ستصبح فيه. ذلك الصوت هو أولى أسباب المعاناة أو الازدهار. بطبيعة التفاعل الحاصل بين أفكارك ومشاعرك وسلوكك فإن التأثير بينهم تبادلي وكل منهم انعكاس للآخر، وتلك الآلية إحدي مولدات السلوك حيث عندما تتحدث ولو بالتصنع عن أمر جيد ستولد المزيد من الأفكار الايجابية والمشاعر الايجابية والسلوك الايجابي والقرار الايجابي واستمرار هذا التفاعل يؤدي لتكوين العادات والقيم والقناعات.

ذلك يعني أن تتحدث عن نفسك مع نفسك بالايجاب وعن قدراتك وامكانياتك ومهاراتك واستطاعتك، أوقف تركيزك عن ملاحظة عيوبك التي لا سبب لوجودها سوي تمسكك بها، وابدأ بسرد إيجابياتك وتحدث عنها لنفسك بكل ثقة وفخر. اذا كنا لا نستطيع أن نحب أنفسنا ونمنحها الاحترام والتقدير والاهتمام الكافى لها، فمن أين سنستمد الحب ؟ إن فاقد الشئ لا يعطيه، وفقدان الشئ لا يعني غيابه افتقاده من الخارج بل الافتقاد داخلي.

العقل لا يعرف الفشل، فهو يجعلك الأفضل في المدخلات التي تسمح بمرورها إليه ويبدأ بالعمل عليها لتطبيقها وتحقيقها بالشكل الأمثل. لقد خُلِقت لتفوز وتربح، وتهيئتك للمعاناة والخسارة تمت نتيجة السلبية المنتشرة بمجتمعاتنا. أنت دائما تتحدث وتفكر وتقرر وتتصرف وفق ما تري نفسك. لذلك مفهومك لذاتك هو جوهر شخصيتك حيث المؤثر الأول لكل جوانب حياتك. والمفهوم الذهني الايجابي لا يعني الأنانية وتضخم الذات وإنما القبول الصحي للذات حيث أن أحد أكثر الأمراض انتشاراً وخبثاً بين البشر هو الكبر والغرور. وإنما تتخلص من الشعور بالذنب والنقد الذاتي والشعور بالنقص والدونية والندرة وباختصار الانتقال من المعاناة للازدهار والتمتع بالقدرة والاستحقاق والوفرة والغني والكفاية.

عملية التحول

تبدأ عملية الانتقال الحقيقية من الصورة الذاتية السلبية الي الصورة الايجابية بتحمل مسئولية ضبط التفكير والصوت الداخلي وتحمل مسئولية الانضباط التنفيذى في السلوكيات وردود الأفعال. الأمر لا يحدث من الوهلة الأولي فما تم ترسيخه خلال سنوات من البناء والإيمان به لن يتم التخلي عنه في ساعة واحده بمجرد الحديث الايجابي بل يجب العزم والمثابرة علي التركيز الإيجابي ذهنياً سلوكياً علي ما يجب قوله وعمله بالطريقة التي تجلب لك الإزدهار. وحتي تنجح عملية التحول فعليك أن تحدد جيداً ماذا يعني الازدهار بالنسبة إليك، الازدهار هو وصف مجمل يختلف بطبيعة الأولويات والمعني من شخص لآخر، حدد ماذا يعني الازدهار الروحاني والصحي والمهني والأسري والشخصى لك ثم تحرك وتصرف بما يتوافق مع هذا الواقع الذى تريد. إن الغالبية العظمي تتصرف عكس ما تريد و عشرة بالمائة فقط هم من يتصرفون تجاه ما يريدون وثلاثة بالمائة فقط من يحققون النجاح المنقطع النظير. هؤلاء أدركوا صورتهم الذاتية في ذلك النجاح وتوجهوا إليه بانضباط والتزام تام إلي أن حققوا هذا النجاح.

تحديات التحول

إن أسباب التراجع عن عملية التحول دوماً ما تدور ما بين الأحداث الخارجية السلبية وبين الأسباب التي تم ذكرها وهي الامتناع السلبي والكوابح، فما الذى يمكن فعله تجاه التحديات الخارجية. إن الأمر عائد أيضاً لاعتقادك الذاتي عن نفسك وعن المحيط. إن النتائج التي تتحقق في الواقع ليست مبنيه علي الأحداث الخارجية فقط بل مضاف إليها استجاباتك وردود أفعالك لتلك الأحداث، فأنت في الحياة تلعب دور الفاعل والمسئول وليس المفعول بع والضحية. لذلك ما تستطيع فعله تجاه تلك التحديات هو القيام برد فعل يساعد علي تحقيق ازدهارك والحفاظ علي مسئوليتك تجاه نفسك وواقعك، فأنت لا تستطيع تغيير أي شئ في الكون سوي نفسك. عليك أن تري نفسك قادراً علي تحقيق الازدهار في الطريق السلس وفي الطريق المتعرج والصخري.

تخلي عن توقعات الآخرين

لكل منا تصوره الخاص عن الحياة، وعن الكيفية التي يجب أن تسير بها الأمور. ويسعي الجميع لمحاولة إسداء النصح للآخرين بالطريقة التي يعتقدون أنها الأفضل للحياة والنجاح، لكن في واقع الأمر إن كانت الطريقة تجدي نفعاً من الأساس، فربما لا تتوافق تلك الطريقة معك ومع طبيعتك الشخصية. لذلك تخلص من محاولة أن توافق صورتك الذاتية مع الصورة التي يخبرك عنها الآخرين بأنها الأفضل. إنك كانت ذاتك الحقيقية ليست التي تعتقدها عن نفسك، فبالتأكيد ليست هي التي يخبرك الآخرون بها. كل منا يتميز بفرديته الخاصة الداخلية والخارجية في المضمون والمظهر، والتشابه في أمر ما لا يعني بالضرورة صحته. لذلك حافظ علي فرديتك لأنها أهم ما يميزك ولا مانع من الاستفادة بآراء الآخرين والاستنباط من الواقع لكن في النهاية عليك أن تفعل ما تريده أنت وليس ما يمليه عليك الآخرون.

مستوي الطموح

من المفارقات الإدراكية التي سنتعرف عليها أنك إن لم ترضى سوى بالامتياز فإنك ستحصل عليه، وإن تمنيت أن يتحسن حالك ولو قليلاً فإنك ستحصل عليه أيضاً. الأمر يشبه الطلب والاستجابة، الدعاء والقدر. هذا هو القانون الذى تعمل به الحياة، كن الأول داخلياً وستصبح الأول في الواقع. تمني الأفضل والحقيقي الدائم وليس ما يجعلك تشعر بشعور جيد لحظياً، الإنجازات الصغيرة جيدة وهي ما تكون الازدهار الكبير، لكن تلك الانجازات الصغيرة المتفرقة وحدها لا تكفي، عليك أن تتابع بتحقيق ما يجعلك الأول، الصحراء تتكون من حبات رمل صغيرة جداً لكنها متقاربة للدرجة التي تجعلها تكون تلك المساحة الكبيرة من الصحراء.

 

Shopping Cart
Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare
Scroll to Top