قال تعالى: ” وعلم ءادم الأسماء كلها..” البقرة-31
في هذا المقام ذكر الله تعالى شرف آدم علي الملائكة بما اختصه به من علم أسماء كل شئ دونهم
فللوعي والعلم منزلة رفعيه ترفع من شأن صاحبها، وحديثنا اليوم عن أهم وأسمى أنواع الوعي والعلم التي تجاهلها الكثيرين وضاعت ما بين شخص متبرمج كالآلة في تفكيره وحديثه وسلوكة وبين شخص متحكم يراقب كل انفاسه مراقبه شديدة
قيل في الأثر قديماً “من عرف نفسه عرف ربه” وهذا قول بليغ حيث ابتداء الوعي بالمخلوق ينتهي بمعرفة الغاية العليا والأول والآخر في هذا الكون الذى منه الابتداء واليه الانتهاء وهو خالق الكون .. واورد الحكماء اقوالا كثيرة تباعا لهذا القول تتفق معه في المعني وان اختلفت في النص حول اهمية معرفة الذات والتعرف عليها، وفي هذا المقال تفصيل لهذا الأمر وهو رحلة صادقة مع النفس
خرجنا علي هذه الحياة لا حول ولنا ولا قوة مستسلمين تمام التسليم للمعرفة التي تنصب علي آذاننا وأعيننا من الدوائر القريبة مثل الأسرة والأقارب وهم مجتهدين في الحقيقة ولكن غالبية اجتهاداتهم “خطأ” .!!
كذلك الدوائر البعيدة الجيران والبيئة المحيطة واصدقاء الاسرة وغيرهم والمرحلة الاولي من حياتنا الطفولية تسمي بمرحلة البصمة وهي من بداية الولادة حتي سن 7 سنوات ولكي نكون اكثر دقة نبدأ في تلقى المعلومات ونحن في الأجنة طبقاً للحالات النفسية والشعورية للوالدين والبيئة المحيطة
وسميت مرحلة السبع سنوات الأولي بالبصمه او الدمغ لانه اهم واقوي مرحلة في تشكيل بنيان وشخصية الطفل وتربيته بناء علي زرع عادات وسلوكيات بالفعل وليس بالتلقين ثم ننتقل الي مرحلة التقليد من سن 7 سنوات حتي سن 14 سنه ثم تاتي فترة المهارات الاجتماعية حتي سن 21 سنه ثم تبدا رحلة المهمات الشخصية للفرد حتي سن 35 سنة
المفارقة في هذا الأمر أن لكل آله دليل استخدام ترشد المستخدم الي الوصول لأفضل أداء، فما بالنا بأرواح وانفس بشرية ستؤثر علي مجتمع ككل لا أعلم لماذا لا نكلف أنفسنا عناء التعلم، أهو الكبر أم الاستهانة بالأمر !!
والمكتبات مليئة بمئات وآلاف كتب الارشادات التربوية فقط تحتاج لتحرك الآباء او من سيصبح أبا يوما ما كي يحسن النشأة،، العلم الآن يتضاعف كل ثمانية أشهر ومن لم يتطور فكره وعلمه ووعيه فهو خارج طور الزمن من الأساس.
نحن نتاج خبرات الوالدين وخبرات التعليم وخبرات المجتمع وتبرمجت سلوكياتنا واليات تفكيرنا منذ الصغر علي تلك الالية التي نشأنا عليها. لكن الفرق الذى صنع الفرق في حياة الكثيرين هم من توقفو ليسألو انفسهم لماذا أقوم بهذا الأمر ؟ لماذا لدي تلك العادات؟ لماذا اتبني تلك المنهجيات في التفكير؟
ويتم توجيه الأسئلة لتحديد القيم المحركة للسلوك في كل جوانب الحياة الروحاني والشخصي والاسري والاجتماعي والصحي وكذلك الترفيهي. لماذا تقوم بالامور التي تقوم بها الآن ؟ لماذا لديك العادات التي تفعلها الان ؟
هذه الأسئلة تقودنا الي اكتشاف أهم مكون لشخصية الإنسان التي تقف وراء كل سلوكياته وهي القيم والمعتقدات والبرامج العقلية العليا حيث انها المعيار التي يقيم بها الشخص نوعية السلوك او رد الفعل الذى سيقوم به.
كشف تقرير لمجلة «فوكوس» الألمانية، عن الوصايا العشر التي يمكن من خلالها تحقيق النجاح الوظيفي والوصول إلى أعلى المراتب، من خلال معلومات إحدى الخبيرات الألمانيات في مجال تسويق الذات.
وجاء في التقرير الذي نشرته المجلة على موقعها على الانترنت، أن معرفة خصائص الذات احتلّت النصيحة الأولى في سلّم الوصايا، يليها تحديد الأهداف التي يرغب الإنسان في تحقيقها، ثم الحفاظ على الإشراقة والودّ في شكل مستمر.
سبب حاجة الإنسان لهذه المعرفة:
- ليعرف حدود طاقاته بين الجانبين الإقدام و الإحجام.
- ليمتلك الرؤية الجيدة و الواعية عن نفسه بين نقاط الضعف والقوة.
- لفهم مدى قدرته على التخطيط في مجالات الحياة .
- لأخذ المواقف المطلوبة عند كل حدث .
- لمعرفة القيمة الذاتية بين شرائح المجتمع.
- ليعرف تصور الآخرين تجاهه.
- لإعداد بناء النفس نحو الأحسن والاقوم.
- ليعرف واجباته الروحية و النفسية و العقلية و القيام بأداء هذه الواجبات بالتوازن المطلوب .
سلبيات عدم معرفة الذات:
- عدم السلامة النفسية والروحية و العقلية ،و في بعض الأحيان الجسمية أيضا.
- عدم القدرة على اخذ المواقف الإيجابية لنفسه اولغيره.
- عدم فهم القضايا الإنسانية المختلفة كما ينبغي .
- يصيب بالصدمات حسب المفاجآت مع ذاته ومع الواقع.
- دائماً يخسر في معارك حياته ويضل من الأوساط المتشابكة.
- يصيب بالحيرة بين الرؤس الحادة .
- التأخر عن الركب في أي مجال يعيش فيه .
- في الغالب يُستَغَلّون من قبل الآخرين .
أسباب عدم معرفة الذات:
- التربية الخاطئة من قبل الأبوين بالدلال الزائد والثناء المفرط.
- التوبيخ المفرط يسبب تشكك الفرد من ذاته.
- اضطرابات الشخصية والنفسية في مراحل حياته الأولى.
- الإحباط و التشاؤم تسبب الوهن أمام المشاكل و المسائل المتفرقة.
- الإفراط في المسائل العاطفية المتقابلة سواءً كانت حباً أو كرهاً .
- نسيان الدور المطلوب منه.
- الإتكالية و الإعجاب المفرط بغيره أيّاً كانت مكانته ، يجعله ألاّ يكشف حقيقته .
وأهم الاسئلة التي انصح بالسؤال عنها هي المتعلقة بالجانب الروحاني فللاسف حتي في هذا الجانب هناك برمجة واليه للسلوك لا عن وعي وفهم فالغالبية الكبرى اسلام بالوراثة وفي هذا الجانب أنصح بقراءة كتابين للدكتور والمفكر الاسلامي عمرو شريف” رحلة عقل ” وكتاب ” انا تتحدث عن نفسها”
فالآن هناك اجابات علمية مثبتة حول الحاجة الفطرية إلي الدين من الاساس والحاجة الي تجسيد هذا الدين الروحي الي واقع فبذلك تم فرض اركان الاسلام من روحانية وتطبيق كالصلاة والزكاة والصوم والحج لمن استطاع. وافصح علم البيولوجيا عن كثير من الامور الروحانية حتي انه تم تأسيس علم البيولوجيا الدينية المختصة بدراسة طبيعة وظائف ومراكز العقل وآليات ونشاطات عمل العقل عند القيام بالفرائض الدينية
“إن الله أقرب إلى الذين يجتهدون في فهمه من الذين يؤمون به إيمانا أعمى”
كذلك في الجانب الشخصي اسال نفسك: ما هي رسالتك في الحياة؟ ما الغاية من وجودك في هذه الدنيا؟ هل تشكل دوما جزءاً من الحل أم جزءاً من المشكلة؟ ما الذي تفعله من اجل تحقيق تلك الرسالة؟ هل تعينك برامج العقلية العليا وطريقة تفكيرك وعاداتك علي تحقيق تلك الرسالة ؟ كيف ولماذا ؟ كيف تري نفسك؟ ما مدي احترامك وتقديرك لذاتك ؟
كذلك في الجانب الأسري: ماهو تعريفك لعلاقتك مع والديك وزوجتك وابنائك؟ ماهو المعيار الذى تحتكم اليه في اصدار الاوامر وتقييم السلوك؟ كيف تعالج الامور بالمقارنة والنقد واللوم ام بالتوجه نحو الحلول؟ هل تبحث دائما عن الحلول ام تعيش داخل دائرة المشكلة السلبية؟ هل تتصرف كونك مسئول ام ضحية ؟ كم معدل التحرك الايجابي بالنسبة للتحرك السلبي؟ هل تنتظر دائما منهم شئ ام انك تحبهم دون قيد او شرط؟ هل تعيش في داخل ذات التحكم ام في الذات الطفولية ام منطقي عقلاني ؟
في الجانب الاجتماعي: بماذا تسمي علاقاتك مع الآخرين؟ ما الهدف من العلاقة؟ هل تحدث نقاشات فيما بينكم؟ ما هدف النقاش؟ ما هو تقييمك لردود افعالك تجاه مواقف الاخرين الايجابية ونجاحاتهم، هل تحزن لنجاحهم، هل تشعر بنقص داخلك، هل هل هل ؟ ما هو تقييمك لردود افعالك تجاه مواقف الاخرين السلبية ؟ هل هل هل هل هل ؟
وهكذا في كل جوانب الحياة يجب ان تسال وتواجه نفسك بصدق، لماذا؟ هل هذا الخيار الصحيح؟ هل هناك افضل منه؟ كيف يتم تحقيقه؟ متي واين ومع من؟
ان اهم ما يجب تعرفه الآن هو نفسك فتعرف دوافعك وراء كل شئ وتكتشف قيمك واهم شئ بالنسبة لك في كل جوانب حياتك، لا تبخل علي نفسك بساعه فقط من الوقت تقوم بكتابة اجابات علي تلك الاسئلة ومن بعدها سيتبدل الحال..
ومن المعاني الهامة التي تأملتها في قول الله عزل وجل
” إن اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ”
ليس فقط ان يغير الله واقعك، وانما التغيير الذى يحدث لإدراكك ونظرتك للمحيط من حولك، فالعالم الخارجي هو مرآه لما يوجد في الداخل. بتطور واتساع ادراكك قد تجد ما كنت تنقده هو الصواب، وما كنت تفعله هو الخطأ. ستتغير رؤيتك للعالم اولا، بمعرفتك لذاتك ستجد الحكمة في التعامل مع الأمور وفق سنة الله التي وضعها في الكون
ابدأ الآن بأهم رحلاتك وابدأ بجمع الاجابات من الداخل بدل من الانقياد للبرمجة التي تأتي من الخارج واقرأ وتعلم في شتي المجالات حتي وان كنت تقرأ في امر تعتقد انك تعرفه جيداً، فكل ثانية هناك جديد وتضاعف واتساع للعلم. ايا كان مكانك، ايا كان عمرك، ايا كانت ظروفك، تعلم حتي تنير حياتك . .
واختم بمقولة رائعة للدكتور مصطفي محمود من كتابه رحلتي من الشك الي الايمان: العالم واسع فسيح، وإمكانيات العمل و السعادة لا حد لها وفرص الاكتشاف لكل ما هو جديد و مذهل و مدهش تتجدد كل لحظة بلا نهاية،
فلماذا يسجن الإنسان نفسه داخل شق في الحائط مثل النملة ويعض على أسنانه من الغيظ أو يحك جلده بحثا عن لذة أو يطوي ضلوعه على ثأر، لماذا نسلم أنفسنا للعادة و الآلية والروتين المكرر وننسى أننا أحرار فعلا.
~
ابدأ الآن رحلة الوعي فالرائد ينطلق وعيه بالمحيط من وعيه بذاته أولاً
أمنياتي لكم برحلة سعيده 🙂

