ولا يزال العقل البشري الذى ميز الله الإنسان به من أكثر الأمور تعقيداً وغموضاً حتي في أزهي عصور العلم . . ولا زالت قدرات وامكانيات العقل البشري تذهل كل من قاموا بالمزيد من الدراسات والأبحاث حول استكشاف ماهيته
ومع ذلك قلما نستخدم التفكير والتأمل ونكتفى بالاستماع كي ندرك الأمور والواقع ومن ثم يحدث الإتباع وبالتبعيه يتم تحليل كل حدث بما يتوافق مع تلك الأفكار المترسخة التي سريعاً ما تتحول لعقائد ويعمل العقل فيما بعد علي التفسير التوافقى ما بين المُعتقد والحدث لاغياً أي بدائل اخري قد تختلف مع ما يتبناه
وقد ذكر في ذلك عباس محمود العقاد في كتابه التفكير فريضة إسلامية :~
” إن العقل الإنساني لا يصاب بآفة أضر له من الجمود على صورة واحدة يمتنع عنده كل ما عداها. فإما أن تكون الأشياء عنده كما تعودها وكرر مشاهدتها إما أن تحسب عنده في عداد المستحيلات، وأدنى من هذا العقل إلى صحة النظر عقل يتفتح لإحتمال وجود الأشياء على صور شتى لا يحصرها المحسوس والمألوف ”
وللأسف أصبحت مقولة برتراند راسل ” معظم الناس يفضلون الموت على التفكير… وفى الحقيقة فأن هذا ما يفعلونه ” حقيقة سائدة وربما كان الخوف علي الحقيقة دافع لوأد أي فكرة أخرى قد تتعارض معها
وفي هذا الموضع أتذكر مقولة جون ميلتون التي ذكرها في مجلس العموم البريطاني اثناء الحديث عن حرية الصحافة حيث قال :~
” اطلقوا رياح كل العقائد لتلعب علي وجه الارض .. ولتكن الحقيقة بينها في المعركة، فإننا بحظرنا ومنعنا لغير الحقيقة نرتكب اكبر جريمة في حق الحقيقة بأن نشك في قوتها . .لندع الحقيقة تتصارع مع الكذب .. فمن عرف يوماً أن الحقيقة خسرت في صراع حر مكشوف ؟ ”
وقد يظن الكثير أن ذلك هو السبيل الاسهل أن يبني معتقده بناء علي السائد في بيئته أو اتباعاً للهوي لكن الحقيقة أن الاتباع الأعمي ضد الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها حيث قال في محكم التنزيل
{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ }الأنفال22
وقوله عز وجل {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً }الفرقان44
حيث أنه عز وجل خلق الذات الإنسانية واعية، مدركة، فاهمة، مفكرة، قادرة علي الاختيار، مبدعة، وتحب البحث والاستطلاع قادرة التقرير والاختيار وصدق الحق تبارك وتعالى في قوله:~
“لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”
ومن المفارقات العلمية الحديثة ما ذكره الدكتور عمرو شريف في كتابه أنا تتحدث عن نفسها علي لسان ” أندرو نيوبرج ” لما أسفرت عنه الأبحاث العلمية:~
(بأن ما يستشعره الإنسان من طمأنينة ومشاعر روحية ومن وجود غيبي علوي يستوي علي عرشه إله حق، إنما هي إدراكات لوظائف مخية سوية)
وبذلك تكتمل أركان التوجه الإنساني السليم فقط بأن يستخدم ما وهبه الله إياه من إمكانيات مبتعداً عن الهوي وسيكتشف بنفسه حقيقة أمره وما استشكل عليه من حقائق قد تغيب عند الحزبية والتعصب والإنصياع لذوي الثقات عند البعض
وأختم بقول سيد الخلق صلي الله عليه وسلم :~
تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ
ثِق بذاتك وقدرتك علي التقرير والفهم الاختيار ولتكن لديك المرونة في الإطلاع علي كل شئ ولتكن ثابت العقيدة في أن تعرف كل شئ عن المرجعية الروحية العظيمة التي حررت العقل والفكر وارتقت بالأمم روحياً ونفسياً واجتماعياً واقتصادياً وصحياً متبعاً لأوامر الكتاب والسنة مستنيراً بمقاصد الدين مستوعباً لأركانه كي تكتمل لديك ركائزة في الفكر والسلوك ..

